فخر الدين الرازي
634
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
قرأهما بالياء على المغايبة ، فمن قرأ على الخطاب ، فهو عطف على قوله : بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ [ الحاقة : 38 ، 39 ] ومن قرأ على المغايبة سلك فيه مسلك الالتفات . المسألة الثانية : قالوا : لفظة ما في قوله : قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ . . . قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ لغو وهي مؤكدة ، وفي قوله : قَلِيلًا وجهان الأول : قال مقاتل : يعني بالقليل أنهم لا يصدقون بأن القرآن من اللّه ، والمعنى لا يؤمنون أصلا ، والعرب يقولون : قلما يأتينا يريدون لا يأتينا الثاني : أنهم قد يؤمنون في قلوبهم ، إلا أنهم يرجعون عنه سريعا ولا يتمون الاستدلال ، ألا ترى إلى قوله : إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ إلا أنه في آخر الأمر قال : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [ المدثر : 24 ] . المسألة الثالثة : ذكر في نفي الشاعرية قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ وفي نفي الكاهنية ما تَذَكَّرُونَ والسبب فيه كأنه تعالى قال : ليس هذا القرآن قولا من رجل شاعر ، لأن هذا الوصف مباين لصنوف الشعر كلها إلا أنكم لا تؤمنون ، أي لا تقصدون الإيمان ، فلذلك تعرضون عن التدبر ، ولو قصدتم الإيمان لعلمتم كذب قولكم : إنه شاعر ، لمفارقة هذا التركيب ضروب الشعر ، ولا / أيضا بقول كاهن ، لأنه وارد بسبب الشياطين وشتمهم ، فلا يمكن أن يكون ذلك بإلهام الشياطين ، إلا أنكم لا تتذكرون كيفية نظم القرآن ، واشتماله على شتم الشياطين ، فلهذا السبب تقولون : إنه من باب الكهانة . [ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 43 ] تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 43 ) اعلم أن نظير هذه الآية قوله في الشعراء : إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [ الشعراء : 192 - 194 ] فهو كلام رب العالمين لأنه تنزيله ، وهو قول جبريل لأنه نزل به ، وهو قول محمد لأنه أنذر الخلق به ، فههنا أيضا لما قال فيما تقدم : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [ الحاقة : 40 ] أتبعه بقوله : تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ حتى يزول الإشكال ، وقرأ أبو السمال : تنزيلا ، أي نزل تنزيلا . ثم قال تعالى : [ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 44 ] وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ( 44 ) قرئ : وَلَوْ تَقَوَّلَ على البناء للمفعول ، التقول افتعال القول ، لأن فيه تكلفا من المفتعل ، وسمى الأقوال المنقولة أقاويل تحقيرا لها ، كقولك الأعاجيب والأضاحيك ، كأنها جمع أفعولة من القول ، والمعنى ولو نسب إلينا قولا لم نقله . ثم قال تعالى : [ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 45 إلى 46 ] لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ( 45 ) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ( 46 ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في الآية وجوه الأول : معناه لأخذنا بيده ، ثم لضربنا رقبته ، وهذا ذكره على سبيل التمثيل بما يفعله الملوك بمن يتكذب عليهم ، فإنهم لا يمهلونه ، بل يضربون رقبته في الحال ، وإنما خص اليمين بالذكر ، لأن القتال إذا أراد أن يوقع الضرب في قفاه أخذ بيساره ، وإذا أراد أن يوقعه في جيده وأن يلحقه